الغزالي
507
إحياء علوم الدين
وقال : يا أيها المصلى إن كنت تريد الله عز وجل بصلاتك فاخفض صوتك ، وإن كنت تريد الناس فإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا فسكت عمر بن عبد العزيز وخفف ركعته ، فلما سلم أخذ نعليه وانصرف ، وهو يومئذ أمير المدينة ويدل على استحباب الجهر ما روى أن النبي صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] سمع جماعة من أصحابه يجهرون في صلاة اللَّيل فصوّب ذلك وقد قال صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « إذا قام أحدكم من اللَّيل فصلَّى فليجهر بالقراءة فإنّ الملائكة وعمّار الدّار يستمعون قراءته ويصلَّون بصلاته » ومر صلى الله عليه وسلم بثلاثة من أصحابه رضي الله عنهم مختلفي الأحوال [ 3 ] فمر على أبي بكر رضي الله عنه وهو يخافت ، فسأله عن ذلك ، فقال : إن الذي أناجيه هو يسمعني ، ومر على عمر رضي الله عنه وهو يجهر ، فسأله عن ذلك ، فقال : أوقظ الوسنان وأزجر الشيطان ، ومر على بلال وهو يقرأ آيا من هذه السورة وآيا من هذه السورة ، فسأله عن ذلك ، فقال : أخلط الطيب بالطيب . فقال صلَّى الله عليه وسلم « كلَّكم قد أحسن وأصاب » فالوجه في الجمع بين هذه الأحاديث أن الإسرار أبعد عن الرياء والتصنع فهو أفضل في حق من يخاف ذلك على نفسه ، فإن لم يخف ولم يكن في الجهر ما يشوش الوقت على مصل آخر فالجهر أفضل ، لأن العمل فيه أكثر ، ولأن فائدته أيضا تتعلق بغيره ، فالخير المتعدي أفضل من اللازم ، ولأنه يوقظ قلب القارئ ، ويجمع همه إلى الفكر فيه ، ويصرف إليه سمعه ، ولأنه يطرد النوم في رفع الصوت ، ولأنه يزيد في نشاطه للقراءة ويقلل من كسله ، ولأنه يرجو بجهره تيقظ نائم فيكون هو سبب إحيائه ، ولأنه قد يراه بطال